الشنقيطي

29

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

ثم إن تقطيب الجبين وانبساط أسارير الوجه لحزن أو فرح ، يكاد يكون جبليا مما كان منه صلى اللّه عليه وسلم ، فهو من باب الجبلية تقريبا ، كأن المثير له غرض عام من خصوص الرسالة ومهمتها . ومع ذلك فقد جاء عنه صلى اللّه عليه وسلم أنه كان بعد نزولها يقول له : « مرحبا فيمن عاتبني فيه ربي » « 1 » ، ويكرمه ، وقد استخلفه على المدينة مرتين . وعلى هذا يكون المراد بهذا أمران : الأول : التسامي بأخلاقه صلى اللّه عليه وسلم إلى ما لا نهاية له ، إلى حد اللحظ بالعين ، والتقطيب بالجبين ، ولو لمن لا يراه ، كما قال صلى اللّه عليه وسلم : « ما كان لنبي أن تكون له خائنة الأعين » « 2 » وذلك في صلح الحديبية . والثاني : تأديب للأمة وللدعاة خاصة ، في شخصية رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، كما علمهم في شخصيته في بر الوالدين ، في قوله تعالى : إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُما أَوْ كِلاهُما فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُما [ الإسراء : 23 ] . وهذا السياق بكامله من أول السورة إلى قوله تعالى : كَلَّا إِنَّها تَذْكِرَةٌ ( 11 ) فَمَنْ شاءَ ذَكَرَهُ [ عبس : 11 - 12 ] ، بيان لأن الرسول صلى اللّه عليه وسلم لا يراعي في الدعوة إلى اللّه غنيا ولا فقيرا ، وأن يصبر على ضعفة المؤمنين . لأن الرسالة تبليغ وليس عليه ما وراء ذلك في مسؤولية ، فلا يتكلف لهم . وقد حثه اللّه تعالى على الصبر مع المؤمنين ، لإيمانهم في قوله تعالى : وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْناكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنا وَاتَّبَعَ هَواهُ وَكانَ أَمْرُهُ فُرُطاً ( 28 ) وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ [ الكهف : 28 - 29 ] . ومثله قوله تعالى : وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ما عَلَيْكَ مِنْ حِسابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَما مِنْ حِسابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ [ الأنعام : 52 ] .

--> ( 1 ) أخرجه النسائي في الطلاق ، باب نفقة الحامل المبتوتة . ( 2 ) أخرجه عن سعد بن أبي وقاص : أبو داود في الحدود حديث 4359 ، والجهاد حديث 2683 ، والنسائي في تحريم الدم ، باب الحكم في المرتد .